محمود توفيق محمد سعد

227

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

من ذلك بل قالوا : اهدنا ، عن يقين وإخلاص متبرئين من الدّعاوى والاعتراض على الرسل نبّه على أنّ من عمل ضدّ عملهم ، فأمن منهم أو من غيرهم من جميع الملل كان على ضدّ حالهم عند ربهم ، فلا يغضب عليهم ، بل يوفيهم أجورهم ، ويورثهم الأمن والسرور المتضمنين لضدّ الذّلّة والمسكنة ، فقال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أو يقال : إنّه سبحانه وتعالى لمّا علّل إهانة بني إسرائيل بعصيانهم واعتدائهم كان كأنّه قيل : فما لمن أطاع ؟ فأجيب بجواب عام لهم ولغيرهم . أو يقال : إنّه لمّا أخبر سبحانه وتعالى بأنهم ألزموا الخزي طوق الحمامة ، وكان ذلك ربّما أوهم أنّه لا خلاص لهم منه ، وإن تابوا ، وكانت عادته سبحانه وتعالى جارية بأنّه إذا ذكر وعدا أو وعيدا أعقبه حكم ضدّه ؛ ليكون الكلام تامّا ، اعلموا أنّ باب التوبة مفتوح ، والربّ كريم على وجه عامّ " ثمّ ينقل لنا مقالة " الحرالّيّ " في بيان مناسبة هذه الآية ما قبلها : " وقال " الحرالّيّ " لمّا أنهى الحقّ سبحانه وتعالى نبأ أحوال بني إسرائيل نهايته مما بين أعلى تكرمتهم بالخطاب الأول ، وكانوا هم أوّل أهل كتاب أشعر - تعالى - بهذا الختم أنّ جميع من بعدهم يكون لهم تبعا لنحو مما أصابهم من جميع أهل الملل الأربعة . انتهى ثمّ يختم " البقاعيّ " كلامه في الآية بقوله : " وحسن وضع هذه الآية في أثناء قصصهم أنّهم كانوا مأمورين بقتل كلّ ذكر ممن عداهم ، وربّما أمروا بقتل النساء أيضا ، فربّما ظنّ من ذلك أنّ من آمن من غيرهم لا يقبل . . . وفي وضعها أيضا في أثناء قصصهم إشارة إلى تكذيبهم في قولهم لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ( آل عمران : 75 ) وأنّ مدار عصمة الدّم والمال إنّما هو الإيمان والاستقامة ، وذلك موجود في نصّ التوراة في غير موضع . . . " « 1 » هذه وجوه عدّ ذكرها في ارتباط هذه الآية بما قبلها ، وهي التي قد يذهب عجل غير متدبر إلى أنها غير ذات علاقة حميمة بما قبلها . وهذا الذي قاله " البقاعيّ " في وجه ترابط هذه الآية بما قبلها تراه قائما فيما ذهب إليه " الطاهر بن عاشور " في تفسيره قائلا : " توسطت هاته الآية بين آيات ذكر بني إسرائيل بما أنعم اللّه عليهم ، وبما قابلوا به تلك النعم من الكفران وقلة الاكتراث ، فجاءت معترضة بينها لمناسبة يدركها كلّ بليغ ، وهي أنّ ما تقدّم من حكاية سوء مقابلتهم

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 453 - 455